الفيض الكاشاني

32

نقد الأصول الفقهية

هذا الأصل تمكّنهم في تلك الأوقات من تحصيل العلم بالرجوع إلى أئمتهم المعصومين - صلوات اللّه عليهم - ، فلم يحتاجوا إلى اتّباع الظّنّ الحاصل من خبر الواحد كما صنع مخالفوهم ، ولم يؤثروه على العلم . قال : وقد أورد السيّد على نفسه سؤالا هذا لفظه « 1 » : فإن قيل إذا سددتم طريق العمل بالاخبار فعلى أىّ شيء تعوّلون في الفقه كلّه ؟ وأجاب بما حاصله : إنّ معظم الفقه معلوم بالضرورة ومذاهب أئمتنا - عليهم السّلام - فيه بالاخبار المتواترة ، وما لم يتحقّق ذلك فيه . ولعلّه الاقلّ يعوّل فيه على إجماع الاماميّة » . وذكر بيانا طويلا في بيان حكم ما يقع فيه الاختلاف بينهم ومحصوله : « إنّه إذا أمكن تحصيل القطع بأحد الأقوال من طرق ذكرناها تعيّن العمل عليه ، وإلّا كنّا مخيّرين بين الأقوال المختلفة لفقد دليل التعيين . ولا ريب انّ ما ادّعاه من علم معظم الفقه بالضرورة وباجماع الاماميّة أمر ممتنع في هذا الزمان وأشباهه . فالتكليف فيها بتحصيل العلم غير جائز ، والاكتفاء بالظّنّ فيما يتعزّر فيه العلم ممّا لا شكّ فيه ولا نزاع . وقد ذكره في غير موضع من كلامه أيضا ، فيستوى حينئذ الاخبار وغيرها من الأدلّة المفيدة للظّنّ في الصلاحيّة لاثبات الأحكام الشرعيّة في الجملة كما حقّقناه » « 2 » . انتهى كلامه وهو في غاية الحسن والوضوح . وإشباع الكلام في هذا المقام يطلب من كتاب معالم الدين للشيخ حسن بن الشيخ زين الدين - رحمهما اللّه - . أصل : يشترط في العمل بخبر الواحد إذا لم يقترن به ما يحصل الظّنّ بسببه على صدق مضمونه أن يكون الراوي حال الرواية مكلّفا مسلما عدلا ضابطا مؤمنا . والعدالة ملكة في النفس تمنعها من فعل الكبائر والاصرار على الصغائر ومنافيات المروّة . واشتراطها هو المشهور عند الجمهور . وقال الشيخ - رحمه اللّه - « يكفى كون الراوي ثقة متحرّزا عن الكذب في الرواية وإن كان فاسقا بجوارحه » « 3 » . وهو غير بعيد ، لكن الاعتماد على المشهور . ومال بعض أصحابنا إلى العمل بخبر مجهول الحال كما ذهب اليه بعض العامّة زعما منه انّ مقتضى آية التثبت « 4 » كون الفسق مانعا من

--> ( 1 ) - الرسائل الشريف المرتضى ، المجموعة الأولى : جواب مسائل التبانيات ، ص 24 ( 2 ) - معالم الدين : ص 195 - 197 ( 3 ) - نقل المحقّق عن الشيخ هكذا للمستفاد من كلام الشيخ في عدّة الأصول : « انّ العدالة المعتبرة في الرواية غير العدالة المعتبرة في الشهادة . فانّه قال الراوي إن كان مخطئا في بعض الأقوال أو فاسقا في بعض أفعال الجوارح وكان ثقة في روايته متحرّزا فيها . فانّ ذلك لا يوجب ردّ خبره ويجوز العمل به ، لانّ العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة » . ( 4 ) - قوله تعالى : إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ( الحجرات : 6 )